عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

294

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « وتركتم » فيها وجهان : أحدهما : إنها في محلّ نصب على الحال من فاعل « جئتمونا » ، و « قد » مضمرة على رأي الكوفيين أي : وقد تركتم . والثاني : أنها لا محلّ لها لاستئنافها ، و « ما » مفعولة ب « ترك » ، وهي موصولة اسمية ، ويضعف جعلها نكرة موصوفة ، والعائد محذوف ، أي : ما خولناكموه ، و « ترك » متعدية لواحد ؛ لأنها بمعنى التخلية ولو ضمنت معنى « صيّر » تعدّت لاثنين ، و « خوّل » يتعدّى لاثنين ؛ لأنه بمعنى « أعطى وملك » ، والخول ما أعطاه اللّه من النّعم . قال أبو النجم : [ الرجز ] 2240 - كوم الذّرى من خول المخوّل « 1 » فمعنى : خولته كمن أملكته الخول فيه كقولهم : خوّلته ، أي : ملكته المال . وقال الرّاغب « 2 » : التّخويل في الأصل إعطاء الخول . وقيل : إعطاء ما يصير له خولا وقيل : إعطاء ما يحتاج أن يتعهّده من قولهم : « فلان خال مال وخايل مال أي حسن القيام عليه » . وقوله : « وَراءَ ظُهُورِكُمْ » متعلّق ب « تركتم » ويجوز أن يضمن « ترك » هنا معنى « صيّر » ، فيتعدى لاثنين : أولهما : الموصول ، والثاني هذا الظرف متعلّق بمحذوف ، أي : وصيّرتم بالتّرك الذي خوّلناكموه كائنا وراء ظهوركم . قوله تعالى : « وَما نَرى » الظّاهر أنها المتعدّية لواحد ، فهي بصرية ، فعلى هذا يكون « معكم » متعلّق ب « نرى » ، ويجوز أن يكون بمعنى « علم » ، فيتعدى لاثنين ، ثانيهما هو الظرف ، فيتعلّق بمحذوف ، أي : ما نراهم كائنين معكم ، أي : مصاحبتكم . إلّا أن أبا البقاء « 3 » استضعف هذا الوجه ، وهو كما قال ؛ إذ يصير المعنى : وما يعلم شفعاءكم معكم ، وليس المعنى عليه قطعا . وقال أبو البقاء « 4 » - رحمه اللّه - : « ولا يجوز أن يكون أي معكم حالا من « الشفعاء » ؛ إذ المعنى يصير أن شفعاءهم معهم ولا تراهم » . وفيما قاله نظر لا يخفى ، وذلك أن النفي إذا دخل على ذات بقيد ، ففيه وجهان :

--> ( 1 ) عجز بيت وصدره : أعطى فلم يبخل ولم يبخّل من أرجوزة طويلة مع شرحها في الطرائف الأدبية 57 - 71 ، اللسان ( خول ) ، مجاز القرآن 2 / 188 ، وشواهد المغني ص 154 ، والمعاهد 1 / 7 ، الخزانة 2 / 390 ، الدر المصون 3 / 126 ، والقرطبي 15 / 237 . ( 2 ) ينظر : المفردات 163 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 254 . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق .